عيون تلاحق تلك الفتاة وفتيات اخريات, وحيدات يعشن على محمل الاختناق والشك. لم يرتكبن أي اثم بل وقعن ضحية الآثمين. لم يكشفن وجعهن لاحد فوجعهن الدامي قارص في صقيع الوحدة, وفي بلاد كبلادنا يصبح صقيع الوحدة درع واق من انياب المحيطين. هذا هو الأحساس عندما تتخبط المرأة المعتدى عليها جنسيا, فلا احد شريك للألم, وهي بذاتها الضحية الوحيدة وسرها غصتها.

الانثى في بلادنا صامته, فعلى كاهلها يقع شرف العائلة شكلا ومضمونا, شرف البلدة, شرف القبيلة بل حتى شرف العرق, شرف الوطن, بل اكثر من ذلك لتصل إلى شرف العروبة. ولنكن اكثر واقعيه, فعلى كاهلها يقع شرف نسل من سبقوها واخرون كثر قادمون حتى وان لم يدرهم رحمها مباشرة. وحين تغتصب, حين يقتحم احدهم كالذئب جسدها وروحها عنوة تكون الواقعة, فالمرأة في بلادي اساس البلاء والبلاء سبب أي واقعة ولا مجال للاستئناف في حضرة ذكورية بلادي.

تفضل دائما الاحتفاظ بسر غصتها فتسير عمرا طويلا خائفة من ملاحقة الذاكرة, من الاحتفاظ بها والتعثر بيقين تفاصيلها, وفي حين خرجت من طي الكتمان  تخشى ان يحاسبها الجميع بلا رحمة وينعتها بانها سبب تفكك رباط عائلتها المقدس, وبفضيحة جماعية لا تدارى ولا تحتمل. مثقلة بذاكرة تستصعب احتوائها أي فصول انسانية, الجسد منهك والذاكرة خائنة. تقفز الذاكرة بمرارة إلى حنجرة الفتاة لتصبح عيونها كزجاج شفاف متصدع من الاضطراب, ليحكي قصة المرة الواحدة او المرات المتكررة التي وقعت فيها ضحية اعتداء من رجل انتهك جسدها وروحها غصبا عنها واستغل صغر جيلها او قلة حيلتها او وحدتها وتغاضي الباقون عنها. رجل قريب من صلة الدم او جار او حتى زوج.

هي نفس الجمل تتكرر, ما ودي حد يعرف, خايفه احكي التفاصيل, ابوي ممكن يقتلني, ما حد رايح يصدقني خايفه اقول انه اخوي اغتصبني, ابن عمي بيلاحقني, ابوي تعرض لي, استاذي بيلامس صدري او حتى مدير المدرسه بيهددني ان ما انصعت له وزارني في بيتي رايح يفصلني من التدريس او ما يزيد وظيفتي..

هي اصوات سمعناها ونسمعها كثيرا, واي اعتراض لصالحها سيهول الدنيا رأسا على عقب. الحقيقة مركبة والجاه الذكوري يحكم القصه ونحن النساء لا نقل قسوة في تبني افكار المجتمع من الذكور انفسهم عندما يحكمنا الخوف من العواقب فنصمت اما تجنبا لها او ضعفا امامها او قلة حيلة.

 

 

وفي خضم هذه البعثره ينقص مجتمعنا الكثير من الاختصاصيات والاختصاصيون ومختصي العلاج, كذلك باقي الخدمات التي بامكانها المساندة واعطاء الدعم للنساء المعنفات. اما مراكز الخدمة الاجتماعية فهي ايضا محدودة الامكانيات والطواقم وتتبع لقوانين مجتمعية صارمة وان كان طاقمها يود تقديم المساعدة او الاستثمار في طاقم مختص الا ان النقص الحاد في ذوي الاختصاصات وعناوين العلاج يشكل عائقا كبيرا في منهجية العلاج والمرافقة.   

خط الدعم

بعد تفعيل المركز القانوني في معا في شؤون الاحوال الشخصية للمرأة واجهنا حالات كثيره تحكي فيها النساء عن ملاحقات جنسية وقد تكتمن عنها لزمن طويل واحتجن إلى دعم ومساندة نفسيه على الاقل او توجيه إلى مراكز مختصة , اما علاجية او قانونية. على اثر ذلك قمنا بمعن بتأهيل كادر متطوعات بعد مرورهن بدورة لتفعيل خط الدعم والمساندة "امان" لنستقبل التوجهات في سياق المساندة الشخصية وبسرية التامة. فيحضر صوتها عبر الخط التليفوني في غرفة صغيرة في معا, ننصت عبره إلى صوت المتوجهة وبسرية تامة نحضر لأجلها, لسماع سرها ولمساندتها عبر طاقم المتطوعات اللواتي تم تأهيلهن خصيصا للمساندة والتوجيه واخريات سيتم تأهيلهن في دورات تأهيل قادمة, يفهمن لغة المتوجهة وينصتن بإمعان لاحتياجاتها واعتباراتها في التعامل مع قصتها, لنطرح امامها الامكانيات ونساندها. 

 

للتسجيل لدورة تأهيل متطوعات خط الدعم - امان